ابن أبي الحديد
64
شرح نهج البلاغة
أقتلك - كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع والله ما أمره بالرجوع إبقاء عليه ، بل خوفا منه ، فقد عرف قتلاه ببدر وأحد ، وعلم أنه إن ناهضه قتله ، فاستحيا أن يظهر الفشل ، فأظهر الابقاء والإرعاء ، وإنه لكاذب فيهما - قالوا فقال له علي عليه السلام : لكني أحب أن أقتلك ، فقال : يا بن أخي ، إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك ، فارجع وراءك خير لك ، فقال على : إن قريشا تتحدث عنك إنك قلت : لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلا أجبت ولو إلى واحدة منها ، قال : اجل ، فقال علي عليه السلام : فإني أدعوك إلى الاسلام ، قال : دع عنك هذه ، قال : فإني أدعوك إلى أن ترجع بمن تبعك من قريش إلى مكة ، قال : إذن تتحدث نساء قريش عنى أن غلاما خدعني ، قال : فإني أدعوك إلى البراز ، فحمى عمرو وقال : ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومها منى ، ثم نزل فعقر فرسه - وقيل ضرب وجهه ففر - وتجاولا ، فثارت لهما غبرة وارتهما عن العيون ، إلى أن سمع الناس التكبير عاليا من تحت الغبرة ، فعلموا أن عليا قتله ، وانجلت الغبرة عنهما ، وعلى راكب صدره يحز رأسه ، وفر أصحابه ليعبروا الخندق ، فظفرت بهم خيلهم إلا نوفل بن عبد الله ، فإنه قصر فرسه ، فوقع في الخندق ، فرماه المسلمون بالحجارة ، فقال : يا معاشر الناس ، قتله أكرم من هذه ، فنزل إليه علي عليه السلام فقتله ، وأدرك الزبير هبيرة بن أبي وهب فضربه فقطع ثفر ( 1 ) فرسه وسقطت درع كان حملها من ورائه ، فأخذها الزبير ، وألقى عكرمة رمحه ، وناوش عمر بن الخطاب ضرار بن عمرو ، فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد عمر مس الرمح رفعه عنه ، وقال : إنها لنعمة مشكورة ، فاحفظها يا بن الخطاب ، إني كنت آليت ألا تمكنني يداي من قتل قرشي فاقتله . وانصرف ضرار راجعا إلى أصحابه ، وقد كان جرى له معه مثل هذه في يوم أحد . وقد ذكر هاتين القصتين معا محمد بن عمر الواقدي في كتاب المغازي ( 2 )
--> ( 1 ) الثفر : السير في مؤخر السرج . ( 2 ) وانظر سيرة ابن هشام 3 : 241 .